أحمد بن محمد بن عجيبة الحسنى

488

إيقاظ الهمم في شرح حكم سيدي أحمد بن عطاء الله السكندري

قال ابن عطاء اللّه : ليت شعري ، لو قيل له : أتكون همة العارف مع غير اللّه ؟ لقال : لا انتهى . ثم ضرب مثلا لنور الخصوصية مع ظلمة البشرية الحسية فقال : [ إنّما مثل الخصوصيّة كإشراق شمس النّهار ظهرت في الأفق ، وليست منه ، تارة تشرق شموس أوصافه على ليل وجودك ، وتارة يقبض ذلك عنك فيردّك إلى حدودك ، فالنّهار ليس منك إليك ولكنّه وارد عليك ] . قلت : مثل الربوبية الذي أشرقه اللّه في قلوب أوليائه وستره بظهور البشرية ، كمثل نور الشمس إذا أشرق على الآفاق ، وهو الفضاء الذي بين السماء والأرض ، فإن الفضاء قبل ظهور الشمس مظلم ليس فيه نور ، فإذا أشرقت عليه الشمس رجع نورا صافيا ، فنورانيته ليست من ذاته ، وإنما هي من الشمس ، كذلك نور الربوبية هو مستودع في باطن البشرية ، فإذا أراد اللّه تعالى أن يظهر خصوصية عبده أشرق ذلك النور على ظاهر بشريته فتستولى روحانيته على بشريته فلا يبقى للبشرية أثر ، فتصير البشرية كلها نورا ، فنور البشرية ليس منها ولكنه وارد عليها ، فتارة تشرق شموس أوصافه وهي الوجود والقدم والبقاء وسائر أوصافه السلبية ، والوجودية والمعاني والمعنوية على ليل وجودك الظلماني الكثيف ، فتذهب أوصافك الحادثة العدمية بظهور أوصافه القديمة الأزلية ، فيتحقق الوصال ، ويذهب الانفصال ، وتارة يقبض ذلك النور ويغيبه عنك ويرده إلى باطنك ، فترجع إلى شهود عبوديتك ، ويردك إلى حدودك ، وهذا حال الوارد الإلهي إذا فاض على الإنسان غيبه عن نفسه واقتطعه عن حسه ، فلا يرى إلا أوصاف ربه وينكر وجود نفسه من أصله ، فإذا سكن الوارد رجع إلى شهود نفسه بربه ، ورجع ذلك النور إلى باطنه فيكون باطنه نورا على الدوام ، وظاهره تارة يغلب عليه ذلك النور ، وتارة تغلب عليه الظلمة : أي العبودية ، فنور الوارد ليس من الإنسان من حيث بشريته ، ولكنه وارد عليه من حيث روحانيته ، كما أن نور الأفق ليس هو من ذات الأفق لكنه وارد عليه من إشراق شمس النهار عليه ، وهاهنا مثال آخر ، وهو الحديد والفحمة إذا جعلتهما في النار ونفخت عليهما فإنهما يرجعان من جنس النار ، وتكسو النار الحديد كله والفحمة كلها ، فإذا بردا رجع الحديد حديدا والفحمة فحمة ، كذلك البشرية إذا استولت عليها الروحانية صارت كلها روحانية معنوية ، فلا ترى إلا المعاني ولا تحس